الثعلبي

153

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

والدليل عليه : أنه لو كان محرما فحصره العدو ، فله أن يحل منه ، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض « 1 » الدخول فيه ، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى ، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج ، فإذا وجد شرائط الحج وهو [ . . . . ] « 2 » وقد بلغ الحاج إلى [ الكرقة ] « 3 » مثلا ، فلا يجب عليه ، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه ، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام ، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم ، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة . فقال الشافعي ( رضي اللّه عنه ) : الاستطاعة وجهان : أن يكون مستطيعا بدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج ، والثاني : أن يكون معضوبا « 4 » في بدنه لا يثبت على مركبه ، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وغير أجرة ، وأما المستطيع بالمال : فقد لزمه فرض الحج بالسنّة ، لحديث الخثعمية ، فأما المستطيع بنفسه : فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة ، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج ، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه ، فإن كان قادرا على المشي مطبقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما ، فالمستحب له أن يحج ماشيا ، رجلا كان أو امرأة . قال الشافعي : والرجل أقل عذرا من المرأة ، لأنه أقوى وهذا على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب ، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج ، لأنه يصير كلّا على الناس ، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج ، وهو قول عمر بن الخطاب ( رضي اللّه عنه ) وابنه عبد اللّه وعبد اللّه بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق ، دليلهم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما السبيل إلى الحج ؟ قال : « الزاد والراحلة » [ 121 ] « 5 » . ومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد اللّه وأنس بن مالك . روى الحرث عن علي كرم اللّه وجهه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ملك زادا وراحلة تبلغانه إلى بيت اللّه فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، فإن اللّه تعالى يقول : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 6 » [ 122 ] .

--> ( 1 ) هكذا ظاهرا في المخطوط . ( 2 ) كلمة غير مقروءة . ( 3 ) هكذا في الأصل . ( 4 ) المعضوب : الزمن الذي لا حراك به . ( 5 ) الدر المنثور : 2 / 56 . ( 6 ) سنن الترمذي : 2 / 154 .